الغزالي

482

إحياء علوم الدين

ويستحب أن ينزل عن دابته غدوة وعشية يروّحها بذلك [ 1 ] فهو سنة وفيه آثار عن السلف . وكان بعض السلف يكتري بشرط أن لا ينزل ، ويوفى الأجرة ، ثم : كان ينزل عنها ليكون بذلك محسنا إلى الدابة ، فيكون في حسناته ويوضع في ميزانه لا في ميزان المكاري . وكل من آذى بهيمة وحمّلها ما لا تطيق طولب به يوم القيامة . قال أبو الدرداء لبعير له عند الموت : يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فانى لم أكن أحمّلك فوق طاقتك . وعلى الجملة في كل كبد حرّاء أجر . فليراع حق البداية وحق المكاري جميعا . وفي نزوله ساعة ترويح الدابة وسرور قلب المكاري . قال رجل لابن المبارك : احمل لي هذا الكتاب معك لتوصله فقال : حتى أستأمر الجمال فانى قد اكتريت . فانظر كيف تورع من استصحاب كتاب لا وزن له ؟ وهو طريق الحزم في الورع ، فإنه إذا فتح باب القليل انجرّ إلى الكثير يسيرا يسيرا . التاسع : أن يتقرب بإراقة دم وإن لم يكن واجبا عليه . ويجتهد أن يكون من سمين النعم ونفيسه ، وليأكل منه إن كان تطوعا ولا يأكل منه إن كان واجبا . قيل في تفسير قوله تعالى : * ( ذلِكَ ومن يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله ) * « 1 » ) إنه تحسينه وتسمينه . وسوق الهدى من الميقات أفضل إن كان لا يجهده ولا يكده ، وليترك المكاس في شرائه ، فقد كانوا يغالون في ثلاث ويكرهون المكاس فيهن : الهدى والأضحية والرقبة ، فان أفضل ذلك أغلاه ثمنا وأنفسه عند أهله [ 2 ] وروى ابن عمر أن عمر رضي الله عنهما أهدى بختية فطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك وقال بل أهدها ، وذلك لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون . وفي ثلاثمائة دينار قيمة ثلاثين بدنة ، وفيها تكثير اللحم ، ولكن ليس المقصود اللحم إنما المقصود تزكية النفس وتطهيرها عن صفة البخل وتزيينها بجمال التعظيم لله عز وجل ، فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم وذلك يحصل بمراعاة النفاسة في القيمة كثر العدد أو قل

--> « 1 » الحج : 32